كبارُ القدر… حقٌّ تقرّه الشريعة وتؤكده الأنظمة

في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات، وتتعالى فيه الأصوات، يبقى كبارُ القدر هم الصوت الأهدأ والأعمق أثرًا. ليسوا مجرد أعمارٍ تقدّمت، بل تجاربُ نضجت، ومواقفُ صنعت وعيًا، وحكمةٌ تشكّلت عبر السنين، فأصبحوا ذاكرة المجتمع الحيّة وبوصلته عند كل منعطف.

وقد جاء الإسلام مُعليًا من شأن كبار السن، حاثًّا على توقيرهم وإجلالهم، فقال النبي ﷺ: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا»، وجعل برّ الوالدين والإحسان إليهما من أعظم القربات، قال تعالى:
﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
فالشريعة لم تنظر إلى الكبير باعتباره فردًا يحتاج الرعاية فقط، بل قيمةً إنسانية واجتماعية تُحفظ مكانتها ويُصان قدرها.

ومن جميل ما يُذكر اليوم، أن الأنظمة في المملكة العربية السعودية جاءت مؤكدة لهذا المعنى العظيم، من خلال العناية بحقوق كبار السن، وحفظ كرامتهم، وتوفير الرعاية والحماية لهم، انطلاقًا من قيمنا الإسلامية التي قامت عليها هذه البلاد المباركة. فالنظام حين يحفظ حق الكبير، إنما يُجسّد ما قررته الشريعة قبل ذلك من وجوب توقيره والإحسان إليه وعدم الإساءة له أو إهماله.

إن حضور مجالس كبار القدر ليس مجاملة اجتماعية، بل مدرسة تُورّث الفهم وتُغذّي البصيرة. ففي تلك المجالس تُناقش القضايا برويّة، ويُقدَّم الرأي بعد نظرٍ عميق، ومن يجلس إليهم يعود بزادٍ من الحكمة واتزانٍ في الفكر وسعةٍ في الأفق.

كما أن الرجوع إليهم في الرأي والمشورة ليس تقليلًا من دور الشباب، بل تكاملٌ بين الحماسة والخبرة. فالشباب طاقة تدفع، والكبار حكمة توجّه، وإذا اجتمعا وُلد القرار الرشيد. وكم من أزمةٍ خفّت برأي حكيم، وكم من خلافٍ انتهى بكلمة موزونة.

وليس عبثًا أن تتوارث المجتمعات قولهم: «من لا كبير له، يشتري له كبيرًا»، لما تمثله خبرة الكبار من صمام أمان، وحكمةٍ تُضيء الطريق عند التباس الأمور، وتمنح الأسر والمجتمعات قدرًا أكبر من الاتزان والاستقرار.

إن المجتمعات التي تُعلي من شأن كبارها، وتُحيي مجالسهم، وتُشركهم في القرار، هي مجتمعات تعرف طريقها جيدًا، وتحفظ توازنها وهويتها.

فكبارُ القدر ليسوا ماضيًا يُحكى… بل حاضرٌ يُهتدى به، ومستقبلٌ يُبنى على نور حكمتهم.

 

بقلم:
أ. محمد بن مبارك السليم

عضو الأمانة العامة للمجلس العالمي للعالم الإسلامي (مَسَاعِي)